فيلم قصير طويل جدا

سوريا في مخاض الياسمين

تمكّن المخرج والسيناريست السوري علاء الصحناوي في 25 دقيقة، مدّة فيلمه القصير (مخاض الياسمين)، من نقل قتامة المشهد السوري في الصراع بين الحياة والموت، و حالة الرعب التي بسطها التنظيم الإرهابيّ. فرمزية المخاض المفاجئ لامرأة تضطرّ لوضع مولودها بالبيت المحاصر من الإرهابيين، بمساعدة زوجها، هو تقريبا مخاض بلد تكالبت عليه قوى الشرّ ودمّرت به كلّ معاني الحياة. وإذ تزامن وضعُ المولود بلحظة اقتحام الدواعش لبيت الأسرة، تزامنت صرخة الحياة الأولى باحتمالية ميتة شريفة لا ترمز إلى النهاية بقدر ما ترمز إلى عدم الاستسلام للمغتصبين .
في ذات السياق يمكن أن نقرأ نجاح الزوج في توليد زوجته وإعطاء الحياة في تلك الظروف العصيبة، إلى أنّ الحلّ في سوريا لن يكون في نهاية المطاف إلا بإرادة السوريين وسواعدهم ومقاومتهم للإرهاب، وأيّا كان الثمن غاليا والمصير الفردي مأساويا، فإنّ الخلاص الجماعي وتجفيف منابع الموت بات قريبا ووشيكا؛ وغير قابل للتأجيل.. تماما كما لحظة المخاض وصرخة الحياة الأولى .
وإذ نجح المخرج الشاب بإعطاء معنى وقراءة خاصة لمآلات الأزمة السورية، بطريقة قد تبدو عكسية وغير متفائلة، فإنّها الأقرب إلى الواقع..فلا نجاحات جماعية دون خسائر فردية، هي بالتأكيد كلفة أن تنتصر الحياة والمستقبل على كلّ أشكال الموت وأسبابها؛ وحتما كما تقول أحداث الفيلم، ستقلب سوريا صفحة ملطخة بالدماء من تاريخها، لتفتح أخرى على السلم والتسامح بين الأديان والمواطنة بغضّ النظر عن معتقدها وجنسها وانتمائها. سوريا المتعددة والمتنوعة هي من سينتصر وسط الركام والخراب الذي صنعته الأحاديات والانتماءات الضيقة لعرق أو دين .

السعيد عولمي ينتزع اعتذارا غير رسمي من فرنسا دون ديماغوجية

على آثار المحتشدات" وثائقي عن الثورة

في مارس 2013، حضرت معرض صور أقامه متحف الفن الحديث والمعاصر الجزائر تحت عنوان جنود الأسود والأبيض خصص للمصورين الذي خلدوا الثورة التحريرية، من بين هذه الصور التي أثارت انتباهي وانتباه الزوار حوالي 10 لوحات للمصور الفرنسي مارك غارانجي لنساء جزائريات من منطقة الأوراس بنظرات ثاقبة كما الرصاص. كانت هذه الصور قد طلبت منه بهدف إنجاز بطاقات هوية، في أفق إقامة ما سماه الجيش الفرنسي قرى جديدة تعوض مشتاتهم، لكنها في الحقيقة كانت محتشدات أو أوشفيز فرنسية لا تختلف عن الأوشفيز الألمانية .
يقول المصور مارك غارانجي: في خلال 10 أيام صورت قرابة 2000 شخصا، وحينها بدأت أدرك أن الأمر كان اغتصابا من الجيش الفرنسي، كان الأمر يذكرني بالبرورتريهات التي أخذت في أمريكا لهنود بوجوه ذاهلة، ومن هذا المنظور طلبت مني هذه الصور .
بالنسبة إلى جيش الاحتلال الفرنسي، لم تكن هذه الصور صور بطاقات هوية، بل كانت صور محتشدين بدون هوية، وكانت إحدى الآثار التي تقفاها المخرج سعيد عولمي للوصول إلى هذه المحتشدات وإنجاز على آثار المحتشدات الذي عرض، منذ يومين بمهرجان وهران للفيلم العربي ضمن مسابقة الفيلم الوثائقي .
موضوع المحتشدات الفرنسية في الجزائر ليس موضوعا جديدا، فقد تطرق إليه بشكل غير مستفيض أندري غازو (Andre gazu) في فيلمه الوثائقي إطفاء فتنة الجزائر.. المهمة القذرة (Pacification en Algérie Le sale boulot) ، بل وكان أحد الذين تحدثوا إليه المصور مارك غارانجي، غير أن المخرج سعيد عولمي لم يتقف فقط أثر هذه المحتشدات في المكان وفي الصور والوثائق، بل بحث عمن أخطأهم رصاص المستعمر وتعذيبه وأخطأهم الجوع والمرض داخل تلك المحتشدات، فوجد بعضهم من أمثال محمد شحاتي صاحب الذي فاق عمره 90 سنة ولم تمح أيام المحتشد من ذاكرته، و4 نساء من اللائي صورهن المصور مارك غارانجي .
الجميل في على آثار المحتشدات أنه من الأفلام الوثائقية القليلة التي استطاعت الهروب من كماشة الطرح الرسمي التي أمسكت بديماغوجيتها معظم الأفلام الوثائقية التي تعرضت إلى الثورة التحريرية، فلم يلتفت الوثائقي إلى سرد بطولات أشخاص في الثورة بشهادات لها ما لها وعليها ما عليها صدقا أو كذبا، إنما التفت إلى معاناة الشعب الجزائري قرابة 3 ملايين منه إطفالا ونساء وشيوخ وضعوا في محتشدات أجبروا على بنائها بأيديهم بعد أن دمرت مشتاتهم بهدف قطع العلاقة بينهم وبين المجاهدين .
ولعل تمكن على آثار المحتشدات من الهروب من الطرح الرسمي الديماغوجي هو الذي مكن السعيد عولمي من الحصول على اعتذار من فرنسا غير الرسمية على ما قترفته من جرائم في حق الجزائريين على لسان طبيب الأمراض العقلية كزافيي جاكي، وهو يبكي .
ربما ما يحز في النفس في هذا الوثائقي الجميل أن كل الباحثين في المجال الذين وصل إليهم السعيد عولمي هم باحثون فرنسيون، والأرجح أن المخرج لم يتوصل إلى باحث جزائري في المجال .
مهدي براشد

غذاء بمؤثرات بصرية

وأنا أسترق السمعَ لمراسل صحفيّ كان ينتقد نوعية الوجبة الغذائية وتقصير منظّمي المهرجان في توفيرها له بكلّ ما يتطلبه جهده في نقل أخبار المهرجان لوسيلته الإعلامية، سألته عمّا إذا كان شاهد أحد أفلام الدورة أو أنه حضر نقاشا تاليا لأيّ من العروض الوثائقية، أو ورشة من الورش المتاحة للشباب بهذه المناسبة. سألته عن ورشة المؤثرات البصرية التي تضمّ حوالي 35 متكوّنا منّ الشغوفين بالمهنة باعتبارها تخصصا جديدا في بلادنا، وقد تفتح آفاقا جديدة للمهتمين بالصناعة السينماتوغرافية في بلادنا، من الناشئة في الميدان خصوصا.. من المسجلين في دورتها التكوينية القادمين من الجزائر العميقة بوسائلهم الخاصة، وكلهم إرادة وشغف بأن ينالوا تكوينا مكثّفا في التخصّص، قد يفتح أمامهم أبوابا غير متوقعة للاستمرار على قيد الحلم بأن يصيروا محترفين في المجال، ينقلون العدوى لأقرانهم، فيزدهر الشغل، ويتجاوز كونه مصدر رزق إلى مصدر خيال .
في الورشة إياها مشرف جزائريّ شاب يدعى بهاء الدين علال، حضرتُ حصّة من دورته التكوينية بقاعة سينما السعادة وسط وهران، ولاحظتُ تحكّمه في الموضوع ومقدرته في التواصل والتلقين، وإغراء الشباب بما يمكن أن يدرّه عليهم النجاح في التخصّص من ربح وكسب، إذا أخلصوا وتميّزوا في اختصاصهم. كان يطلبُ من المتكوّنين أن يطرحوا أسئلةَ.. ومن خلالها كان يستنتج ما إذا كان المتدخّل قد طرح سؤالا حقيقيا من قبيل: هل يوجد لون دون ضوء؟. هل الألوان في الواقع هي ذاتها في وضع التصوير؟. كنتُ من وضعي في الصفّ الأخير راغبا بأن أحوّل السؤال بطريقتي للمراسل الصحفيّ: هل يمكن لوجبة غذائية بمؤثرات بصرية أن تقنع جوعك وتفي بغرضه مثلما أنتشي أنا وسط هذا الزخم من الفنّ والكفاءة والحياة؟. الفنُّ هو جعل الواقع خيالا، وجرُّ الخيال إلى الواقع .

وهران في كل مكان

حتضن الولايات المجاورة لوهران بعضا من أنشطة مهرجانها للفيلم العربي، تزامنا مع انطلاقه في الـ 25 من جويلية الجاري وإلى غاية مطلع أوت. فما يشاهده جمهور السينما من نقاد ومختصين خلال التظاهرة الجارية مسابقاتها وعروضها الشرفية، يمكن أن يشاهده عشاق السينما في الولايات المجاورة، ويحظوا بالعروض الأولى لآخر مستجدات السينما الجزائرية والعربية. وبقدر ما تستحقّ هذه المبادرة من تنويه وإشادة، فإنها تدعو إلى ضرورة التفكير في توسيعها لتشمل الولايات المحرومة من الأمر بحكم بعدها الجغرافي عن وهران، واستحالة تجسيدها بالشكل الحاصل في ولايات الجوار، لأسباب موضوعية كثيرة، أهمّها ما يتعلّق بالجانب الماديّ. لكنّ التفكير بصيغة ناجعة وتوفّر إرادة مسؤولي الإدارة في ولايات الوسط والشرق والجنوب، وانخراط المؤسسات الخاصة، قد يجعل الأمر قابلا للتجسيد على مدار العام .
في تجربة فريدة ويتيمة قبل نحو عام، احتضنت مدينة حاسي مسعود مهرجانا مصغّرا من فعاليات وهران للفيلم العربي، ولم يكتب للتجربة التعميم ولا الانتشار بسبب قلّة موارد السبونصور وعزوف رجال المال والأعمال عن الاستثمار في المجال وعدم المساهمة بالتالي في نشر الثقافة والسينما والجمال والأحلام. فكيف يمكن لبناتنا وأبنائنا أن يطلعوا أسوياء دون أن يحظوا بزاد الفن والخيال؟. وإذ حدّثت محافظ التظاهرة الكاتب المبدع إبراهيم صديقي في الموضوع، لمست عنده الرغبة والإرادة في أن يحلّ مهرجانه ضيفا على كلّ ولايات الجمهورية، وفق روزنامة وبرنامج مضبوط، قد تتكفّل فيه السلطات المحلية بجانب من الدعم فيما يقع جانب آخر على عاتق المؤسسات والمستثمرين الخواص. وسوف يمكّن هذا المسعى من تشجيع الطاقات والمبادرات المحلية على اقتحام عالم السينما وبثّ الحياة من جديد في قاعاتها المهجورة .

الحياة في زمن الموت

عندما كانت الجزائر في أحلك سنوات الإرهاب طيلة تسعينيات القرن الماضي، كان ثمّ شخص مهووس بالسينما في مدينة تبسة على الحدود الشرقية للبلاد، يدعى جمال الدين حريز. بإمكانات مادية شبه منعدمة وجمعية ثقافية محلية، أطلق واحدا من أهمّ المهرجانات السينمائية ( مهرجان كركلا للفيلم والفيديو)، ونجح في استقطاب قامات عربية وغربية كبيرة، شاركت تباعا في كلّ الدورات، لثقتها في الرجل ومصداقيته واحترافيته العالية في التنظيم، وللشهرة التي حاز عليها المهرجان رغم الظروف الأمنية العصيبة وشبه الحصار المضروب على الوجهة الجزائرية .
أتذكّر جيّدا فرحة المخرج الفرنسيّ الكبير ريني فوتييه وهو يعود إلى مدينة تبسة من بوابة مهرجانها، وعزّت العلايلي ومنى واصف وسميحة أيوب وسيد على كويرات وأحمد راشدي، وأسماء كبيرة وثقيلة أخرى من ممثلين ومخرجين، جزائريين وعرب، يعرضون ويناقشون أفلامهم بقاعة سينما المغرب وسط المدينة، الوحيدة من بقيت تصلح أيامها للعروض. وكيف كان جمال الدين حريز يشتغل 25/24 ساعة مع مجموعة من أعضاء جمعيته (آمال) غير مبالين بتهديدات الإرهاب ومحاولات وأد التظاهرة من محيط وظروف ليس هنا مجال التفصيل فيها، حتى قرّر جمال أنّ دورة 2001 هي الأخيرة، والتزم الصمت إلى يومنا هذا .
كم أتمنى أن يلتفت محافظ مهرجان وهران إلى هذه الطاقة الخلاقة والمبدعة، ليكتشف جمهور السينما في وهران شخصية جديرة بأن تتحدّث عن تجربتها تلك، وتكشف عن الأسباب الحقيقية لميتة شريفة أرادها الرجل لفلذة كبده، وكم سيكون جميلا هذا التكريم المعنويّ الكبير لشخص فذّ من طراز جمال الدين حريز. وأعتقد أنّ مبدعا كبيرا مثل محافظ المهرجان إبراهيم صدّيقي يفهم جيّدا قيمة لفتة من هذا القبيل .

الخيال الرسمي..الحقيقة المعطوبة

إنجازها وفق الرواية الرسمية لمسار الشخصيات والأحداث، برغم طابع الخيال الفاصل المنهجي الفريد بين التوثيق و (الفيكشن). ولطالما تساءلت هنا: لماذا لم تذهب الوزارة مباشرة إلى طابع الأفلام الوثائقية، بكل التقنيات الحديثة في التصوير واستخدام المؤثرات وتمثيل بعض الأجزاء؛ بدلا من المحاولات اليائسة في اعتماد الخيال السينمائي لأجل توثيق أحداث تاريخية، لا تحظى أصلا بإجماع المؤرخين والرواة وشهود العيان .
إنّ رفع الوصاية الرسمية عن الشخصيات المحورية في تاريخ البلاد، البعيد منه والقريب، وعن الأحداث التاريخية ذاتها، سيحرر حتما الخيال الفنيّ من الطابع الأحادي والتقديسي المميت، ويجعل من هذه الشخصيات والأحداث مادة حيّةَ لا تنضب أبدا، تختلف المقاربات الفنية في زوايا النظر إليها وفي أشكالها، لكنها تتفق حول مضمونها الإنساني والتاريخي. فلمسة الفن والخيال أساسها الحرية وإعادة الأسئلة إلى بدايات طرح السؤال، ونفخ الحياة في الهياكل الرسمية المكدّسة في كتب التاريخ ومناهج التعليم .
وعلينا أن نطرح هذا السؤال من بين عشرات الأسئلة: ماذا بقي من فيلم بن بو العيد بعد عرضه أوّل مرّة؟ وما هي الجوائز التي حصل عليها والجدالات التي أثارها مقارنة بفيلم (الوهراني) لإلياس سالم 2014. الإجابة عن هذا السؤال هي الفاصل بين الخيال الرسميّ والحقيقة المعطوبة.. وكم نحن بحاجة إلى ورشات في مهرجاناتنا السينمائية لتشريح مثل هذه القضايا .

عادل صياد ينصف لوندا

تّصل بي صديق فيسبوكي من الكتّاب الجدد نسبيا في الساحة الأدبية، يطلبُ منّي الانخراط في الحملة ضدّ مدير الديوان الوطني لحقوق التأليف والحقوق المجاورة، السيد سامي بن شيخ الحسين، بدعوى أنه احتكر هذا الموقع لفائدة حاشية مقربة منه، تستفيد دون غيرها من الرعاية والدّعم، وما إلى ذلك من الاتهامات المجانية التي تعكس المستوى الضّحل لأصحابها ومن يقف وراءهم. أخبرت هذا الصديق بأنّ عدد مؤلفاتي ستّة 06، بخلاف مؤلفات أخرى بالشراكة مع كتاب آخرين، وأنّني إلى غاية هذه اللحظة لست مسجلا في الديوان، ولا تربطني أيّ علاقة بمديره، لا من قريب ولا من بعيد. ومن النزاهة ألاّ ينخرط الواحد في حروب وهمية ظالمة ضدّ شخص أو مؤسسة، الرابح فيها جهات أخرى، تستغلّ سذاجة البعض وتضعهم دروعا بشرية وغوغائية في معاركها الشخصية .
قبل أسبوع هاتفت صديقي جمال الدين حازورلي، الناقد السينمائيّ والإذاعيّ الشهير، لتهنئته بعيد ميلاده. فإذا به بمداخل مدينة تبسة للمشاركة في الأيام الأولى، سيني تيقاست، للفيلم القصير، الذي نظمته دار الثقافة. وبالمصادفة اكتشفت بأنّ الديوان المذكور يرعى هذه التظاهرة في طبعتها التأسيسية، ويخصّص في البهو طيلة أيام المهرجان، مكتبا لاستقبال وتوجيه وتسجيل المبدعين من مختلف الفئات العمرية والأنماط الإبداعية، لحماية مؤلفاتهم، وتسهيل مشاق تنقلهم إلى قسنطينة أو العاصمة للغرض. وعلمت من السيدة التي تشرف على العملية، أنّ الديوان يستغل رعايته لمثل هذه الأنشطة الثقافية، للاقتراب من المبدعين بالمناطق الداخلية، وتمكينهم من عضوية الديوان وحماية مؤلفاتهم.. وهو عمل جواريّ غير مسبوق، يستحقّ عليه أصحاب المبادرة كلّ الشكر والثناء .
وعلمتُ في السياق من بعض الوجوه الفنية الكبيرة المشاركة شرفيا في المهرجان، أنّ ما يقوم به السيّد بن الشيخ، لا يقتصر فقط على هكذا مبادرات محلية ووطنية، وإنما يتجاوزه إلى المحيط الإفريقي، باستحداث جائزة / مريم ماكيبا/ للإبداع والتأليف، تثمينا للدور الجزائريّ التقليديّ في القارة، وهذا أحد أهمّ أسباب أن تكون دولة جنوب إفريقيا ضيفة الشرف في الدورة القادمة لمعرض الجزائر الدولي للكتاب؛ ما يكون قد أزعج بعض الدوائر في الداخل والخارج، من هذا الانفتاح الثقافيّ على القارة الإفريقية، وتحييد المنتفعين من المحور شرق/ غرب، والحدّ من هيمنتهم على المجال الضيّق الذي جعلوه محورا وحيدا للثقافة الجزائرية. لم تجن منه غير صراعات هوياتية وأسئلة مغلوطة وهدر للجهد والمال العام .
طلبت من صديقي الفيسبوكي الواثق من انخراطي في حملته ضدّ الديوان الوطني لحقوق التأليف، أن يعفيني من هذه الحرب القذرة بالوكالة، وأن يتركني وشأني في حروبي الدنكيشوتية الداخلية ضدّ الهباء، وأيّا كانت خساراتي فيها، فلن تكون أسوأ من خسارات تجني أرباحها جهات تحترف اللعب من خلف الستار. وختمت رسالتي إليه: أيّا كان ما يقال عن السيّد سامي بن شيخ، فأنا من موقعي الصغير بتبسة، أشهد له عن عمل غير مسبوق تجاه المبدعين والمؤلفين بمنطقتي، ممن كانوا يحلمون بالانتماء لمؤسسته، وحالت دونها المسافات والتكاليف والبيروقراطية؛ فإذا بها تنزل إليهم، وتقيّدهم بسجلاتها، وتحمي أعمالهم من السطو والنسيان. الباقي لا يعنيني .

الصورة الأخيرة.. بطلٌ بانتظار فيلم ما

في اليوم الأخير من المهرجان، عرضت الأفلام الجزائرية القصيرة وأفلام الموبايل، بقاعة السينماتيك وسط وهران، تنوّعت مواضيعها ومستوياتها وحتى طبيعتها، ما شكّل مادّة غنيّةَ للجمهور المتوافد على قاعة العرض. ومن بين الأفلام التي شدّت إليها اهتمام الجمهور، الفيلم الوثائقي صالح قبائلي من فلسطين للمخرج طاهر حوشي، وفيه جهد كبير واشتغال متقن، حول قضية المهجّرين الجزائريين إلى الشرق الأوسط إبّان الحقبة الاستعمارية. وبغضّ النظر عن النقل الدقيق للمشكلات الاجتماعية التي تعاني منها هذه الفئة شبه المنسية، فقد تمكّن المخرج من ملامسة مشاعر المتلقّي، من خلال كشفه أنَّ هذا الجزائريّ الأمازيغيّ، لا يزال متمسكا بهويته وبلغته وبوطنه الأمّ، ولم ينس طيلة أطوار الفيلم، أنّه منحدرٌ من قرية ايواضين بأعالي تيزي وزو .

أمّا ما استهواني شخصيا، فهو فيلم الصورة الأخيرة للمخرج الجزائريّ المقيم في فرنسا، محمد الزاوي، الذي التقطت صورته بتلقائية وعفوية، لحظات حاسمة في حياة شخص مسنّ غريب، لا نعرف منذ البداية منْ يكون؟ وماذا يفعل بهذه الساحة العمومية وسط باريس؟. فهو منذ الصباح إلى ساعة متأخّرة منّ اللّيل، بين وقوف وجلوس بذات المكان، يصغي لأغاني فريد الطرش بجهازه السمعيّ قديم الطراز منّ القرن الماضي : يدخّن بشراهة، ولا يتحدّث لأحد. يبدو سبعينيا أنيقا بلباس شبابيّ، ونظرة متحسّرة على أمر ما؛ لا أعلم إن كانت حدثت في الماضي، أم أنّها منتظرة في مستقبل قريب .

أخبرني مخرج الفيلم بعد العرض، أنّ ذاك الشخص، الذي ليس له به سابقُ معرفة، مواطن مغربيّ منحدر من منطقة فاس، وأنّه يتأهّب للعودة إلى موطنه المغرب، بعد غياب دام 35 سنة، وأنّ كلّ ما طلبه بعد القبول بتصوير لحظاته تلك، أن يوافيه بنسخة من الصور والفيلم. قلت لمخرج الفيلم، صديقي محمد الزاوي: إنّك في الحقيقة التقطت بحسّك الفنيّ الرهيب، لحظات جسيمةَ من مصير بطل فيلم، لم يصوّر ولم تكتب قصته بعد، بل ويبدو كما لو كان هاربا من نصّ روائيّ، لكاتب كبير مغمور، نسيَ مسودته بإحدى الساحات العمومية وسط باريس. لكأنّك بالنهاية تنتشل بطلا مغوارا من غياهب النسيان، وتعيد الدّفع به إلى الحياة أو الزّج به في غياهب أخرى لا يهمّ كثيرا من يكون هذا السبعينيّ الطاعن في الجلوس والوقوف والانتظار، بقدر ما يهمّ أكثر أنّه سمح لك بتسجيل لحظاته تلك؛ بدايات كانت أم نهايات، فلطالما كانت التفريق بينهما عبثا غير محمود العواقب؛ وذاك هو سحر الصورة يا صديقي .

 

وقود لا ينفد

عندما يراهن الواحدُ على شبيبة متشبّعة بالالتزام والوعي، يكون النجاحُ حليفَه بالضرورة. فطيلةَ أيّام المهرجان، وبعيدا عن منظميه الرسميين في الواجهة، كنت أراقبُ مجموعةَ منَ الشباب المشتغل بالتنظيم، من جامعيين وغير جامعيين، كانوا صدقا وقودَ التظاهرة وأحد أهمّ أسباب نجاحها: نسيم منَ الإدارة الفنية، وهو شاب بغاية التربية والأخلاق، لم يكن يتحدّث كثيرا، ويتجنّب الظهور في غير مواقع شغله. اكتشفت بالمصادفة أنّه أعمق مما يبدو، وكفاءته في تقييم الأعمال والأشخاص غير عادية.. فقبل اختتام المهرجان بيومين على الأقلّ، وفي لقاء جميل معه، سألته عن توقعاته بنتائج المنافسة، فجاءت صحيحة بنسبة كبيرة. كان واثقا جدا من نفسه، وذا حسّ فنيّ رفيع، يستحقّ عليه الثناء والتقدير .

أمّا ذهبية، زميلته في التنظيم من قسم الاتصال، فقد كانت آلةَ غير قابلة للعطب، تذرف أحيانا دموعَ حسرة، عن تقصير هنا ومظهر تسيّب هناك، وبالفطرة تندفع إلى سدّ الفراغ دون أن يشعرَ المقصّر بالذّنب؛ وإلى الرابعة صباحا، كان الوقتُ غيرَ متأخّر لخلودها سويعات راحة، بعد أن تطمئنّ على يوم انقضى، وآخر يحشر نفسه بلا مراعاة لازدحام الوقت ونفاده عندها.. مثلها مثل ذاك الشاب الذي لقبته بـ عدوّ البنات، لكثرة خصوماته معهنّ، ليس في الأمور الخاصة وإنّما في مستلزمات القيام بالعمل على أتقن وجه. يُدعى عبد العزيز، وبدا لي أنّه ينحدر من أصول ميزابية: صارمٌ ولا يضيّع أي دقيقةَ لضمان نجاح المهرجان كما لو كان الأمر يعنيه مباشرة. أنت يا عزيزي عدوُّ الفشل، وأنا لفخور بمعرفتك، ولكم أتمنّى أن تعمرَ بلادي بأمثالك .

عندما فكّرت قبل أيام بكتابة هذا التنويه، سألت المدير الإداري عمارة آيت يحيى عمّن برأيه، ينبغي التنويه به للغرض، وبرغم أنّه كان لا ينام أكثر من 02/24، كان يلحّ عليّ أن أخصّ الشباب بالتشجيع، ممّن ذكرت أعلاه وغيرهم.. صوفيا، تلك النحلة باذخة الحضور بتخفّيها، و ماسيليا ورؤوف وحكيمة وهشام ونجوى وخديجة واخريات وآخرين. شبيبة متحمّسة للشغل، وتستحقّ وهرا يليق بالتزامها وتفانيها، كما يستحقه من لم يكن مستعدا تماما للنوم كما كان حاله طيلة الأسبوع الجاري. لم يكن محافظ المهرجان إبراهيم صدّقي مخطئا في الرهان على حرصك يا عمارة، وامتثالك الصارم لأدقّ تفاصيل سير المهرجان، بما في ذلك تلك المهمات المستحيلة، ومشاكل كان يتطلب حلّها بقاءَك مثله ساهرا إلى العاشرة صباحا. بالمناسبة كان رشدي وفيصل غير مطمئنّين لأيّ رغبة خلود للنوم، طالما كان ثمّ مشكل عالق، لا يعنيهما مباشرة بالضرورة.. كانا بالمرصاد لأيّ هفوة، وشكّلا ثنائيا من أروع ما حدث في الدورة العاشرة لمهرجان وهران الدوليّ للفيلم العربي: تلك الوجوه صراحةَ، لا نخجل أبدا باستقبال الضيوف بها .

 

الصورة الأخيرة.. بطلٌ بانتظار فيلم ما

في اليوم الأخير من المهرجان، عرضت الأفلام الجزائرية القصيرة وأفلام الموبايل، بقاعة السينماتيك وسط وهران، تنوّعت مواضيعها ومستوياتها وحتى طبيعتها، ما شكّل مادّة غنيّةَ للجمهور المتوافد على قاعة العرض. ومن بين الأفلام التي شدّت إليها اهتمام الجمهور، الفيلم الوثائقي صالح قبائلي من فلسطين للمخرج طاهر حوشي، وفيه جهد كبير واشتغال متقن، حول قضية المهجّرين الجزائريين إلى الشرق الأوسط إبّان الحقبة الاستعمارية. وبغضّ النظر عن النقل الدقيق للمشكلات الاجتماعية التي تعاني منها هذه الفئة شبه المنسية، فقد تمكّن المخرج من ملامسة مشاعر المتلقّي، من خلال كشفه أنَّ هذا الجزائريّ الأمازيغيّ، لا يزال متمسكا بهويته وبلغته وبوطنه الأمّ، ولم ينس طيلة أطوار الفيلم، أنّه منحدرٌ من قرية ايواضين بأعالي تيزي وزو .
أمّا ما استهواني شخصيا، فهو فيلم الصورة الأخيرة للمخرج الجزائريّ المقيم في فرنسا، محمد الزاوي، الذي التقطت صورته بتلقائية وعفوية، لحظات حاسمة في حياة شخص مسنّ غريب، لا نعرف منذ البداية منْ يكون؟ وماذا يفعل بهذه الساحة العمومية وسط باريس؟. فهو منذ الصباح إلى ساعة متأخّرة منّ اللّيل، بين وقوف وجلوس بذات المكان، يصغي لأغاني فريد الأطرش بجهازه السمعيّ قديم الطراز منّ القرن الماضي : يدخّن بشراهة، ولا يتحدّث لأحد. يبدو سبعينيا أنيقا بلباس شبابيّ، ونظرة متحسّرة على أمر ما؛ لا أعلم إن كانت حدثت في الماضي، أم أنّها منتظرة في مستقبل قريب .
أخبرني مخرج الفيلم بعد العرض، أنّ ذاك الشخص، الذي ليس له به سابقُ معرفة، مواطن مغربيّ منحدر من منطقة فاس، وأنّه يتأهّب للعودة إلى موطنه المغرب، بعد غياب دام 35 سنة، وأنّ كلّ ما طلبه بعد القبول بتصوير لحظاته تلك، أن يوافيه بنسخة من الصور والفيلم. قلت للمخرج.. إنّك في الحقيقة التقطت بحسّك الفنيّ الرهيب، لحظات جسيمةَ من مصير بطل فيلم، لم يصوّر ولم تكتب قصته بعد، بل ويبدو كما لو كان هاربا من نصّ روائيّ، لكاتب كبير مغمور، نسيَ مسودته بإحدى الساحات العمومية وسط باريس. لكأنّك بالنهاية تنتشل بطلا مغوارا من غياهب النسيان، وتعيد الدّفع به إلى الحياة أو الزّج به في غياهب أخرى لا يهمّ كثيرا من يكون هذا السبعينيّ الطاعن في الجلوس والوقوف والانتظار، بقدر ما يهمّ أكثر أنّه سمح لك بتسجيل لحظاته تلك؛ بدايات كانت أم نهايات، فلطالما كانت التفريق بينهما عبثا غير محمود العواقب؛ وذاك هو سحر الصورة يا صديقي .