متابعات

وقائع سنين الجمر.. وقائع سنين الإرهاب

 

في العام 1957 كان محمد لخضر حامينة ضمن الفريق الذي تشكّلت منه المصلحةَ الخاصة بالسينما، بقرار من الحكومة المؤقتة، إلى جنب جمال الدين شندرلي وبيار وكلودين شولي، وكان الرهانُ يومها، نقل ما يجري على الأرض، من فظائع الاستعمار وجرائمه، للفت انتباه الرأي العام الدولي اتجاه القضية الجزائرية. وساهم بقسط مع شندرلي في الفيلم الوثائقيّ ” ياسمينة”، الذي صدمت قصته المؤثرة ضمير المجتمعين في دورة الأمم المتحدة، وجلبت للقضية الوطنية تعاطف الدول ودعمها. وانطلاقا من هذا المخيال، تمكّن حامينة من  تحقيق سابقة في تاريخ السينما العربية، بنيله السعفة الذهبية لمهرجان “كان” 1975، عن فيلم ” وقائع سنين الجمر”، ولم يتكرر بعده أيُّ انتصار أو تتويج بذات القيمة والرمزية، إذا استثنينا بعض المنجزات في قطاعات ومستويات أخرى، لم تكن بدورها مرجعيةَ وسببا لتعميم ونشر ثقافة التتويج والانتصار. لقد كانت البدايات قويةَ، والمآلات ضعيفة وفاشلة، ومن هنا وجب طرح السؤال البسيط والخطير: لماذا؟.

لن أجيب عن هذا السؤال لاعتبارات تتعلّق أساسا بذكاء القارئ، لكنني أتساءل في ذات السياق، لماذا تقامُ محاكم تفتيش ومجامع فتوى ضدّ مبدعين شباب، تناولوا من منظوراتهم وسياقاتهم التاريخية، مواضيع ذات صلة بالذاكرة الجماعية، من مثل الياس سالم في فيلمه الجرئ ” الوهراني”. هل كان مطلوبا منه أن يكون نسخة طبق الأصل من حامينة؟ مثلما كان مطلوبا من كمال داود أن يكون نسخة من وطار وبوجدرة؟ وبالوصول إلى وضع غير طبيعيّ تماما، يصير فيه محتكرُ الوطنية والدين وحتى الإبداع، صاحبَ الرأي والتأثير، فيحكم على هذا المخيال الأدبيّ وذاك الإبداع السينمائيّ، من منطلق تقديسيّ لأفكاره الجاهزة، يكون منَ الصعب تماما حينها، أن تتحقّق نجاحات، وتتحرّر طاقات من سطوة النظرة الأحادية، عدوّة النجاح والاختلاف والتميّز.

وأصل هنا إلى سؤال أخطر: لماذا لم نقرأ رواية واحدة مميزة في موضوع “الإرهاب”، ولم نشاهد فيلما ذا قيمة في المسألة، يستثمر أسبقية البلاد في تعرضها لهذه المحنة ومكافحتها لها، وانتصارها عليها؟ يكون رسالة فنيةً للعالم، وهو يتعرّضُ لذات الظاهرة، ويحاول أن يفهم أسبابها ومنطلقاتها. فمثلما كان فيلم ” وقائع سنين الجمر” وثيقة فنيةَ باذخةً الجمال والدلالة على مرحلة جسيمة من تاريخ البلاد، كان منَ المفروض تحرير الطاقات الشابة، ورفع الاحتكارات والحواجز أمام خيالاتها، لتقدّم لبلادها أولا وللعالم بالنتيجة، قراءةً جماليةَ لأحداث شنيعة، يصعب تصديق أهوالها وتأثيراتها على مجريات الحياة.

من واجب القائمين على مهرجان وهران الدولي للفيلم العربيّ، التفكير منذ الآن، في الدّفع بالنقاش إلى هذه التخوم والأسئلة والاستفزازات، والاستفادة إلى أقصى حدّ من قامات السينما ورموزها من حجم حامينة وراشدي، لضمان انتقال سلس وجميل، لهوس السينما وسحره، بين صنّاع مجده القديم، وحملة مشعله من الأجيال الجديدة.

Related Articles

Close