متابعات

دورية نحو عين تموشنت مع طارق عبد العزيز

لم يكن الفنان المصري القدير طارق عبد العزيز وصديقه الملحّن الكبير هشام طه، يتوقّعان ما ينتظرهما في الرحلة المختلسة، من مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي في دورته العاشرة، باتجاه مدينة عين تموشنت، تحت القيادة الرشيدة للشاعر الجزائري بوزيد حرز الله، مرشد الرحلة إلى مواقع الدهشة ومنابع الجمال. ما شدّ انتباه ضيفينا الكبيرين، ونحن في مداخل عين تموشنت، نتوقف من حين لآخر عند بعض الباعة، لاقتناء مستلزمات الطريق، هو بشاشة أهل المنطقة، وتفاعلهم الجميل مع الفنانين، بعبارات الترحيب والكرم.


استقبلنا السيّد إبراهيم بن عبد الرحمن، مدير الثقافة للولاية، بمحبّة كبيرة، وقدّم صورةَ رائعة عن المنطقة وخصوصياتها، واتّجه بنا إلى شاطئ الصبيعات، حيث النزول من أعالي الجبل باتجاه البحر، صادمٌ لذوي الحساسيات المفرطة إزاء الجمال “غير الطبيعيّ” للطبيعة. كان الضيفان منهمكين بتوثيق وتصوير تلك اللحظات، ومنظر شاطئين متلاصقين بشكل عجيب، تعجز اللغة عن وصفه؛ تماما مثلما كانت محرّكات السيارات قديمة الطراز، عاجزةَ تماما عن ضمان مسار العودة، ومع ذلك غامر أصحابها بالنزول، غير مبالين بأهوال الصعود. فالمكان يستحقّ كلّ أنواع المجازفات.
لقد استقرّ رأي بوزيد على مسار مغاير في طريق العودة إلى وهران، وردّ على عبارات إعجاب طارق وهشام بهذا الجزء منَ الرحلة، بالقول ” بالهدوء يا جماعة، إنّكم لم تروا شيئا بعد”، وسار بنا باتجاه “بوزجار” و “مداغ”، حيث الجبال والغابات تعانق بسفوحها، أمواجا منَ البحر، وتغري بالتوقّف لأخذ النفس، ورشف شاي بالمناسبة. كان أحد الشباب قد نصب كشكا عند مدخل الغابة للغرض، ولاحظ بالفطرة أنّنا غرباء، ورفض أن يتلقّى مقابل الشاي أيّ سنتيم، لأنّ المسألة خرجت عن نطاق التجارة، وصارت من واجبات الترحيب بالأجانب. فهم طارق وهشام، بحسّهما وروحهما الجميلة، مضمون هذه اللّفتة، وتبادلا معه عبارات من منسوب طيبة الشعب المصريّ وتلقائيته؛ اكتشفتُ حينها أحدَ أسباب تألّق الفنانين المصريين، وهي درايتهم الشاملة بالحياة البسيطة للمواطن، وقدرتهم على التواصل مع عامة الناس، ليس من موقع النجوم غير القادرة على النزول إلى الأرض، وإنّما كقامات إنسانية بالأساس، لا تنسى أبدا جذورها. فأن تكون فنانا كبيرا، عليك أوّلا أن تكون إنسانا حقيقيا. لذلك ربّما كان طارق يسأل عن كلفة إقامة لمدّة أسبوع بالمنطقة رفقة عائلته الصغيرة، لتقاسمه سحر المكان وطيبة أهله.
عند مداخل وهران بعد الغروب، كان هشام يدندن ببعض المقطوعات الخالدة من أغاني المرحوم عبد الحليم حافظ، وكان بوزيد يردُّ عليه بالبعض الآخر منها، واندلعت في السياق، أحاديث طويلة عن فنّ الزمن الجميل والأذواق التجارية الراهنة، وعن ثقافة آلت للزوال، وذوق جديد محتكر للساحة. عن صفحة ناصعة تمّ طيّها، وأخرى مفتوحة على كلّ أسباب الخوف من تعطيلها للذوق والحياة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق