متابعات

عن فيلم الافتتاح “ليليت السورية”

امتلأت قاعة سينما “المغرب”، وسط وهران، بجمهور السينما منّ النقاد والصحفيين وهواة الفن السابع عموما، لمشاهدة العرض الأوّل و الافتتاحي للمهرجان. فيلم “ليليت السورية”، سيناريو وإخراج غسان شميط، وبقدر ما جلب الفضول والانتباه لخصوصية معالجته لقضية الراهن السوري، فقد أثار عدّة أسئلة بخصوص تطوّر الأحداث فيه، ومصائر بعض شخوصه المركزية، وتفسيره للظاهرة الإرهابية. ويبدو التساؤل مبرَرا حول مدى نجاح المخرج في جعل المعارك الجارية بعشوائية على الأرض، معارك نفسية بالأساس، من خلال تلك العلاقات المرتبكة والمشاعر المتداخلة. بطلة الفيلم التي تدور حولها الأحداث، تعيش قهرا مطلقا: قهر زوج فاسد وغارق في الرذيلة، تعرّض إلى عمل إرهابيّ، ألحق به أضرارا وتشوّهات مقزّزة بالوجه، ألزمته العجز والفراش. وقهر والد متجبّر ومتزمّت ومحافظ، وقهر الأحداث الدموية الجارية حتى في المناطق الأكثر أمنا ومقاومة لمليشيات الموت.
يموت الزوج بعد معاناة مع المرض، ويُختطف الشقيق الوحيد وهو “طبيب” من قبل إحدى التنظيمات الإرهابية، ويزداد الخوف على البنتين من أعمال التفجير والاختطاف والاغتصاب، ولولا شعلة “الحبّ المستحيل” لزميل في الشغل، كان حضوره في حياتها بمثابة الأمل الوحيد للبقاء على قيد الأنوثة والحياة؛ لما قاومت كلّ تلك الأهوال، وبقيت متوازنة في مواجهة الدمار المتلاحق بوجودها.. وهي معادل موضوعيّ لوجود دولة سورية بحدّ ذاتها.
وإذ يرجع الأمل بمشروع ارتباط ابنتها البكر مع شاب سوريّ من عائلة ميسورة الحال، هاجرت إلى بيروت، وبتمكّن شقيقها الطبيب المختطف من الهروب من مليشيات التنظيمات الإرهابية، يبدو كما لو أنّ الأمر لن يرجع أبدا كما كان: حتى سوريا لن ترجع كما كانت.. لقد رجع محطّما نفسيا، شبه مختلّ، بعدما اغتصب جنسيا من الجماعة الخاطفة، ليس لرغبة في ذلك وإنما بدافع الانتقام من والده المتجبّر. كما لو أنَّ المخرجّ ينزع أيَّ صفة دينية عن تنظيمات الإرهاب، فهي من منظور الفيلم جماعات إجرامية حاقدة، قد تستغلّ المتديّنين لتنفيذ عملياتها، ولكن قضيتها الأولى ليست دينية، بقدر ما هي انتقامية وأهدافها جمع المال بأيّ طريقة، ونشر الفوضى والرعب.
في مشهد دال يقف العائد من الموت في وجه والده المتجبّر لأوّل مرّة، وترفض شقيقته “البطلة” أن يتدخّل ذات الوالد في شأن ومصير ابنتيها، وهي لحظة فارقة في مسار الأحداث، لم تنتج عنها نهاية مأساوية لسلطة هذا الوالد المتجبّر والمتزمّت والمنغلق و مصدر كلّ الأذى اللاحق بالأسرة، بل شاهدناه، دون تطورات مقنعة، محافظا على رمزيته ومنفتحا على أفكار حفيدته المتحررة من نظرته التقليدية للدين..لعلها رسالة من المخرج على استمرار السلطة الأبوية التقليدية ؛ في حين يغتال العقل في مشهد ورمزية الطبيب الشاب الذي لقي حتفه وهو يهرع لنجدة ضحايا تفجير إرهابيّ بالحيّ.
لم ينجح في الأخير غير الحبّ المستحيل بين البطلة وزميلها في الشغل، وتلك رسالة جميلة رغم مطبّات تبليغها، في حشد من الأحداث الثانوية، جعلت الفيلم أكثر “وثائقية” منَ “الخيال” الواجب استثماره في الفرجة السينمائية. ومع ذلك يبقى عملا رائعا وجديرا بالمشاهدة.

مقالات ذات صلة

إغلاق