متابعات

ساعة و نصف.. متعة الحزن

لا توجد في أحداث فيلم “ساعة ونص” للمخرج المصري وائل إحسان، قصةٌ مركزية، ولا بالتالي، بطلٌ مركزيّ تدور حوله الأحداث. ومن هنا يجد المشاهد نفسه أمام حكايات متعدّدة، لشخوص من مختلف الفئات العمرية، من “الغلابى” المطحونين على متن قطار العياط، في رحلة كانت تبدو عادية، غير أنّ المخرجَ تمكّن من تحويل مسارها إلى قمّة المأساة، وحصر فضائها بشكل رائع في قطار وسكّة حديد ومحطّة، تماما مثلما نجح في إقناع فنانين كبار لأداء أدوار، تبدو صغيرة في شكلها، لكنها كحكايات جانبية، كانت مكمّلة لبعضها لبلوغ أقصى لحظات التراجيديا.
فبينما كان القطار يعجّ بحكايات الغلابى، من اليساريّ خرّيج الجامعة الذي يبيع للمسافرين كتيبات “رسائل حبّ”، إلى بائع الشاي، إلى الأمّ الطاعنة في السنّ “كريمة مختار” وقد تخلّى عنها ابنها بسبب الفاقة والعجز والفقر؛ كان على مسار السكّة جمعٌ منَ المنحرفين “الغلابى” يقتطعون أجزاء منها بغرض المتاجرة بمادة الحديد، مع حرصهم على عدم تعريض المسافرين إلى الهلاك، من خلال التواطؤ مع عامل صيانة “أحمد بدير” لوضع منبهات على السكّة، تضطرّ قائدَ القطار لتوقيفه قبل الانحراف عن المسار و حدوث المأساة، غير أنَّ تفاصيل غير متوقّعة حالت دون تفادي الكارثة. بل إنّ أحد الركاب الشباب منَ العائدين من ليبيا بخيبة أمل وحزمة أمراض، لفظ أنفاسه قبل الحادث بسبب أزمة كلوية حادة، أعفته من خيبة أمل أهله فيه.
كان مقدّرا لهذا القطار ألاّ يبلغ محطته الأخيرة، فمنسوب الخيبة والحزن والهباء والفساد، هو بالنهاية ما يؤدي إلى الطريق المسدود، وتلك رسالة بغاية الذكاء بعث بها المخرج، لتشخيص حالة بلد من بلدان “الربيع العربيّ”، في الساعات الأولى من قيام “ثورة الكرامة” و “المواطنة”، لعلها تنطبق على جلّ ما يسمّى اليوم بتلك التسمية، مع اختلافات في حجم الكوارث والمآسي والمصائر الشنيعة. وما القطار في رمزيته “مكانا متحركا” إلاّ دلالة على وضع بلد يتوهّم السير بالاتجاه الصحيح في الأوضاع الجديدة، وهو في الحقيقة يتجه نحو الهلاك، ولا يمكن أبدا توقيف هذا المسار الجنونيّ القاتل ما دامت أسبابه قائمة:
ـ لماذا يتخلّى شاب عن والدته العجوز في قطار بغير وجهة؟
ـ لماذا يقتاد شاب آخر إلى مخفر الشرطة بسبب قبلة؟
ـ لماذا تخون امرأة زوجها مع شاب منحرف سارق حديد السكّة؟
ـ لماذا ترتبط دكتورةٌ بشاب متعصّب يعتبرها “عورةَ”؟
لم يكن مطلوبا من مخرج الفيلم أن يقدّم إجابات عن هذه الأسئلة، بقدر ما كان عليه أن يدفعنا لطرح المزيد منها، ضمن فضاء من المآلات الفاشلة وحالات الإحباط العام التي تسم وضعَ ما يسمى ” دول الربيع العربيّ”، وتلك مهمة يتكفّل بها الخيال، طالما كان يمتلك أدوات اشتغاله، ويتقن شغله وسحره.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق