متابعات

وقود لا ينفد

عندما يراهن الواحدُ على شبيبة متشبّعة بالالتزام والوعي، يكون النجاحُ حليفَه بالضرورة. فطيلةَ أيّام المهرجان، وبعيدا عن منظميه الرسميين في الواجهة، كنت أراقبُ مجموعةَ منَ الشباب المشتغل بالتنظيم، من جامعيين وغير جامعيين، كانوا صدقا وقودَ التظاهرة وأحد أهمّ أسباب نجاحها: نسيم منَ الإدارة الفنية، وهو شاب بغاية التربية والأخلاق، لم يكن يتحدّث كثيرا، ويتجنّب الظهور في غير مواقع شغله. اكتشفت بالمصادفة أنّه أعمق مما يبدو، وكفاءته في تقييم الأعمال والأشخاص غير عادية.. فقبل اختتام المهرجان بيومين على الأقلّ، وفي لقاء جميل معه، سألته عن توقعاته بنتائج المنافسة، فجاءت صحيحة بنسبة كبيرة. كان واثقا جدا من نفسه، وذا حسّ فنيّ رفيع، يستحقّ عليه الثناء والتقدير.

أمّا “ذهبية”، زميلته في التنظيم من قسم الاتصال، فقد كانت آلةَ غير قابلة للعطب، تذرف أحيانا دموعَ حسرة، عن تقصير هنا ومظهر تسيّب هناك، وبالفطرة تندفع إلى سدّ الفراغ دون أن يشعرَ المقصّر بالذّنب؛ وإلى الرابعة صباحا، كان الوقتُ غيرَ متأخّر لخلودها سويعات راحة، بعد أن تطمئنّ على يوم انقضى، وآخر يحشر نفسه بلا مراعاة لازدحام الوقت ونفاده عندها.. مثلها مثل ذاك الشاب الذي لقبته بـ “عدوّ البنات”، لكثرة خصوماته معهنّ، ليس في الأمور الخاصة وإنّما في مستلزمات القيام بالعمل على أتقن وجه. يُدعى عبد العزيز، وبدا لي أنّه ينحدر من أصول ميزابية: صارمٌ ولا يضيّع أي دقيقةَ لضمان نجاح المهرجان كما لو كان الأمر يعنيه مباشرة. أنت يا عزيزي عدوُّ الفشل، وأنا لفخور بمعرفتك، ولكم أتمنّى أن تعمرَ بلادي بأمثالك.

عندما فكّرت قبل أيام بكتابة هذا التنويه، سألت المدير الإداري عمارة آيت يحيى عمّن برأيه، ينبغي التنويه به للغرض، وبرغم أنّه كان لا ينام أكثر من 02/24، كان يلحّ عليّ أن أخصّ الشباب بالتشجيع، ممّن ذكرت أعلاه وغيرهم.. صوفيا، تلك النحلة باذخة الحضور بتخفّيها، و ماسيليا ورؤوف وحكيمة وهشام ونجوى وخديجة واخريات وآخرين. شبيبة متحمّسة للشغل، وتستحقّ “وهرا” يليق بالتزامها وتفانيها، كما يستحقه من لم يكن مستعدا تماما للنوم كما كان حاله طيلة الأسبوع الجاري. لم يكن محافظ المهرجان إبراهيم صدّقي مخطئا في الرهان على حرصك يا عمارة، وامتثالك الصارم لأدقّ تفاصيل سير المهرجان، بما في ذلك تلك المهمات المستحيلة، ومشاكل كان يتطلب حلّها بقاءَك مثله ساهرا إلى ” العاشرة صباحا”. بالمناسبة كان رشدي وفيصل غير مطمئنّين لأيّ رغبة خلود للنوم، طالما كان ثمّ مشكل عالق، لا يعنيهما مباشرة بالضرورة.. كانا بالمرصاد لأيّ هفوة، وشكّلا ثنائيا من أروع ما حدث في الدورة العاشرة لمهرجان وهران الدوليّ للفيلم العربي: تلك الوجوه صراحةَ، لا نخجل أبدا باستقبال الضيوف بها.

Related Articles

Close