متابعات

الحياة في زمن الموت

عندما كانت الجزائر في أحلك سنوات الإرهاب طيلة تسعينيات القرن الماضي، كان ثمّ شخص مهووس بالسينما في مدينة تبسة على الحدود الشرقية للبلاد، يدعى جمال الدين حريز. بإمكانات مادية شبه منعدمة وجمعية ثقافية محلية، أطلق واحدا من أهمّ المهرجانات السينمائية ( مهرجان كركلا للفيلم والفيديو)، ونجح في استقطاب قامات عربية وغربية كبيرة، شاركت تباعا في كلّ الدورات، لثقتها في الرجل ومصداقيته واحترافيته العالية في التنظيم، وللشهرة التي حاز عليها المهرجان رغم الظروف الأمنية العصيبة وشبه الحصار المضروب على الوجهة الجزائرية.
أتذكّر جيّدا فرحة المخرج الفرنسيّ الكبير ريني فوتييه وهو يعود إلى مدينة تبسة من بوابة مهرجانها، وعزّت العلايلي ومنى واصف وسميحة أيوب وسيد على كويرات وأحمد راشدي، وأسماء كبيرة وثقيلة أخرى من ممثلين ومخرجين، جزائريين وعرب، يعرضون ويناقشون أفلامهم بقاعة سينما المغرب وسط المدينة، الوحيدة من بقيت تصلح أيامها للعروض. وكيف كان جمال الدين حريز يشتغل 25/24 ساعة مع مجموعة من أعضاء جمعيته (آمال) غير مبالين بتهديدات الإرهاب ومحاولات وأد التظاهرة من محيط وظروف ليس هنا مجال التفصيل فيها، حتى قرّر جمال أنّ دورة 2001 هي الأخيرة، والتزم الصمت إلى يومنا هذا.
كم أتمنى أن يلتفت محافظ مهرجان وهران إلى هذه الطاقة الخلاقة والمبدعة، ليكتشف جمهور السينما في وهران شخصية جديرة بأن تتحدّث عن تجربتها تلك، وتكشف عن الأسباب الحقيقية لميتة شريفة أرادها الرجل لفلذة كبده، وكم سيكون جميلا هذا التكريم المعنويّ الكبير لشخص فذّ من طراز جمال الدين حريز. وأعتقد أنّ مبدعا كبيرا مثل محافظ المهرجان إبراهيم صدّيقي يفهم جيّدا قيمة لفتة من هذا القبيل.

Related Articles

Close