الأخبارمتابعات

السعيد عولمي ينتزع اعتذارا غير رسمي من فرنسا دون ديماغوجية

"على آثار المحتشدات" وثائقي عن الثورة

في مارس 2013، حضرت معرض صور أقامه “متحف الفن الحديث والمعاصر الجزائر” تحت عنوان “جنود الأسود والأبيض” خصص للمصورين الذي خلدوا الثورة التحريرية، من بين هذه الصور التي أثارت انتباهي وانتباه الزوار حوالي 10 “لوحات” للمصور الفرنسي “مارك غارانجي” لنساء جزائريات من منطقة الأوراس بنظرات ثاقبة كما الرصاص. كانت هذه الصور قد طلبت منه بهدف إنجاز بطاقات هوية، في أفق إقامة ما سماه الجيش الفرنسي “قرى جديدة” تعوض مشتاتهم، لكنها في الحقيقة كانت محتشدات أو “أوشفيز” فرنسية لا تختلف عن “الأوشفيز” الألمانية.
يقول المصور مارك غارانجي: “في خلال 10 أيام صورت قرابة 2000 شخصا، وحينها بدأت أدرك أن الأمر كان اغتصابا من الجيش الفرنسي، كان الأمر يذكرني بالبرورتريهات التي أخذت في أمريكا لهنود بوجوه ذاهلة، ومن هذا المنظور طلبت مني هذه الصور”.
بالنسبة إلى جيش الاحتلال الفرنسي، لم تكن هذه الصور صور بطاقات هوية، بل كانت صور محتشدين بدون هوية، وكانت إحدى الآثار التي تقفاها المخرج سعيد عولمي للوصول إلى هذه المحتشدات وإنجاز “على آثار المحتشدات” الذي عرض، منذ يومين بمهرجان وهران للفيلم العربي ضمن مسابقة الفيلم الوثائقي.
موضوع المحتشدات الفرنسية في الجزائر ليس موضوعا جديدا، فقد تطرق إليه بشكل غير مستفيض “أندري غازو” (Andre gazu) في فيلمه الوثائقي “إطفاء فتنة الجزائر.. المهمة القذرة” (Pacification en Algérie – Le sale boulot)، بل وكان أحد الذين تحدثوا إليه المصور “مارك غارانجي”، غير أن المخرج سعيد عولمي لم يتقف فقط أثر هذه المحتشدات في المكان وفي الصور والوثائق، بل بحث عمن أخطأهم رصاص المستعمر وتعذيبه وأخطأهم الجوع والمرض داخل تلك المحتشدات، فوجد بعضهم من أمثال “محمد شحاتي” صاحب الذي فاق عمره 90 سنة ولم تمح أيام المحتشد من ذاكرته، و4 نساء من اللائي صورهن المصور “مارك غارانجي”.
الجميل في “على آثار المحتشدات” أنه من الأفلام الوثائقية القليلة التي استطاعت الهروب من كماشة الطرح الرسمي التي أمسكت بديماغوجيتها معظم الأفلام الوثائقية التي تعرضت إلى الثورة التحريرية، فلم يلتفت الوثائقي إلى سرد بطولات أشخاص في الثورة بشهادات لها ما لها وعليها ما عليها صدقا أو كذبا، إنما التفت إلى معاناة الشعب الجزائري قرابة 3 ملايين منه إطفالا ونساء وشيوخ وضعوا في محتشدات أجبروا على بنائها بأيديهم بعد أن دمرت مشتاتهم بهدف قطع العلاقة بينهم وبين المجاهدين.
ولعل تمكن “على آثار المحتشدات” من الهروب من الطرح الرسمي الديماغوجي هو الذي مكن السعيد عولمي من الحصول على اعتذار من فرنسا غير الرسمية على ما قترفته من جرائم في حق الجزائريين على لسان طبيب الأمراض العقلية “كزافيي جاكي”، وهو يبكي.
ربما ما يحز في النفس في هذا الوثائقي الجميل أن كل الباحثين في المجال الذين وصل إليهم السعيد عولمي هم باحثون فرنسيون، والأرجح أن المخرج لم يتوصل إلى باحث جزائري في المجال.
مهدي براشد

Related Articles

Close