شادية

لبست أدوار البنت، خادمة، بنت ليل، عجوز… شادية.. فنانة ذات الألف وجه

– قال الأديب الروائي الكبير نجيب محفوظ، في إحدى حواراته: شادية نموذج لفتاة أحلام أي شاب، إنها فتاة رقيقة تمثل الجمال والخفة، لكنها لا تصلح لتمثيل رواياتي”. ربما كانت هذه العبارة من روائي كبير في حجم نجيب محفوظ من بين المحفزات التي دفعت الفنانة شاديةالى رفع التحدي أمام هذه القامة الأدبية وكسبها.
فبعد عدد لا يستهان به من الأفلام في سينما كانت مازالت إلى ذلك الوقت سينما ذكورية، راقت للبعض ووجد البعض أنها أدوار خفيفة، تمكنت من بعد تمثيلها 4 أفلام من روايات نجيب محفوظ، اللص والكلاب، زقاق المدق، ميرامار، الطريق.
بعد هذه الأفلام يصحح نجيب محفوظ فيقول: “شادية ممثلة عالية القدرة، وقد استطاعت أن تعطي سطوري في رواياتي لحما ودما وشكلا مميزا لا أجد ما يفوقه في نقل الصورة من البنيان الأدبي إلى الشكل السينمائي، وكانت “حميدة” في “زقاق المدق” صورة لتلك القدرة الفائقة التي لا أتصور غيرها قادرا على الاتيان بها، وهي كذلك أيضا في غير أعمالي فقد رأيتها في بداياتها في دور الأم المطحونة المضحية في فيلم “المرأة المجهولة”، وتصورت أن بمقدورها أن تحصل على جائزة “الأوسكار” العالمية في التمثيل لو تقدمت اليها”.
ولعل هذا هو السر لدى شادية، فإذا كانت الممثلات الأخريات تنبئن منذ البداية أن هناك أدوارا خصصت لهن وأخرى لا، فإن عبقريتها في أنها كانت طيعة تتيح لكل مخرج ما يريد، عجينة تتشكل ورغبة المخرج ومقتضيات الدور، فالطفلة في “العقل في إجازة” لا توريك أنها ستكون يوما ما الخادمة “سيدة” في “نحن لا نزرع الشوك”، وهذه الخادمة ما كان أحد ليتوقعها أبداً في هيبة “فؤادة” في “شيء من الخوف”.
بهذه الميزة كانت شادية، وعن جدارة، الممثلة “ذات الألف وجه”، تملك الموهبة والحضور الطاغي وذلك الإحساس الذي يجعلنا نصدقها في كل أدوارها، بنتا مرحة، وفتاة ليل، وأما مكلومة وممرضة ومديرة، بل ورمزا لمصر تحت صياح “زواج عتريس من فؤادة باطل”. وليس هناك أروع دليل على أن هذا اللقب يلبسها تماما من أدائها المذهل في فيلم “المرأة الجهولة”، إذ استطاعت وهي في الثلاثين من العمر أن تجسد معاناة امرأة في الستين تأتي للانتقام من ماض ظالم وتقنعنا بأنها أم لشكري سرحان الذي كان يكبرها في الحقيقة..
منذ تلك الانطلاقة الجديدة لم يعد يُنظر لشادية علىأنهاالمغنية ذات الجسد الجميل فحسب بل على كونها ممثلة حقيقية تنافس فاتن على شباك التذاكر ولا يخشي المخرجون الكبار من إسناد أدوار تمثيلية قوية لها.
والخارق في كل هذه الطاقة التمثيلية أن تصعد الفنانة شادية خشبة المسرح لأول مرة وتقدم دورا لا ينسى في مسرحية “ريا وسكينة” إلى جانب غولين مسرحيين اثنين عبد المنعم مدبولي وسهير البالي، فتظهر ندا لهم، وكأنها قضت عمرها الفني في المسرح.
ففي ظرف تاريخي تسيّد فيه نجم الكوميديا إسماعيل ياسين شكلت شادية ثنائياً معه كما في «الستات ما يعرفوشيكدبوا» و «بشرة خير» و «الهوا مالوش دوا»، ثم طورت تجربة الكوميديا في أعمال مهمة فُصّلت على مقاسها مثل «مراتي مدير عام» و «أضواء المدينة». وأنهت مشوارها بالكوميديا بعدما قدمت دوراً لا يُنسى في «ريا وسكينة» للمخرج حسين كمال 1984، وكانت نداً في مسرحيتها اليتيمة أمام اثنين من أساتذة المسرح: عبد المنعم مدبولي وسهير البابلي.
بعدما تجاوزت شادية الخمسين قررت أن تهجر الأضواء، قبل أن تهجرها الأضواء، تاركة رصيداً يزيد على 112 فيلماً، وهو رقم قياسي تتفوق به كمياً على فاتن حمامة وسعاد حسني، وأثبتت براعتها التامة في أنها كانت الوريثة الوحيدة لمجد ليلى مراد المعتزلة مبكرا (عام 1955)، وأن تقول للجميع انهم أمام حالة فنية غير مسبوقة، نجحت في أن تبقى نجمة الشباك الأولى في السينما العربية لأكثر من ربع قرن.

Close